الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

104

تفسير روح البيان

فان اتفاق العلماء من الطرفين على أن المخلد لا يخرج من النار ولا تبقى جهنم خالية من جسده قال حضرة شيخنا وسندنا الذي فضله اللّه تعالى على العالمين بما خصه من كمالات الدين فكما إذا استقر أهل دار الجمال فيها يظهر عليهم اثر الجمال ويتذوقون دائما ابدا ويختفى منهم جلال الجمال واثره بحيث لا يحسونه ولا يرونه ولا يتألمون به قطعا سرمدا فكذلك إذا استقر أهل دار الجلال فيها بعد مرور الأحقاب يظهر على بواطنهم اثر جمال الجلال ويتذوقون به ابدا ويحتفى منهم اثر نار الجلال بحيث لا يحسونه ولا يرونه ولا يتألمون به سرمدا لكن كما عرفت ليس كذلك الا بعد انقطاع إحراق النار بواطنهم وظواهرهم بعد مرور الأيام والأحقاب وكل منهم تخرقه النار خمسين الف سنة من سنى الآخرة لشرك يوم واحد من أيام الدنيا والظاهر عليهم بعد مرور الأحقاب هو الحال الذي يدوم عليهم ابدا وهو الحال الذي كانوا عليه في الأزل وما بينهما ابتلاءات رحمانية والابتلاء حادث قال تعالى وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ عصمنا اللّه وإياكم من دار البوار انتهى كلام الشيخ رضى اللّه عنه إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ في أفعاله ومنها تخليد أولياء الشياطين في النار عَلِيمٌ بأحوال الثقلين وأعمالهم وبما يليق بها من الجزاء وَكَذلِكَ اى كما خذلنا عصاة الجن والانس حتى استمتع بعضهم ببعض نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً اى نسلط بعضهم على البعض فنأخذ من الظالم بالظالم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ بسبب ما كانوا مستمرين على كسبه من الكفر والمعاصي وجاء ( من أعان ظالما سلطه اللّه عليه ) وعن ابن عباس رضى اللّه عنهما إذا أراد اللّه بقوم خيرا ولى أمرهم خيارهم وإذا أراد بقوم شرا ولى أمرهم شرارهم وجاء في بعض الكتب الإلهية انى انا اللّه ملك الملوك قلوب الملوك بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلته عليه نقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسبب الملوك ولكن توبوا إلى أعطفهم عليكم وفي الحديث ( الظالم عدل اللّه في الأرض ينتقم به ثم ينتقم منه ) وفي المرفوع ( يقول اللّه عز وجل انتقم ممن ابغض بمن ابغض ثم أصير كلا إلى النار ) وفي الزبور انى لانتقم من المنافق بالمنافق ثم انتقم من المنافقين جميعا وقول القائل كيف يجوز وصفه بالظلم وينسب إلى أنه عدل من اللّه تعالى جوابه ان المراد بالعدل هنا ما يقابل بالفضل فالعدل ان يعامل كل أحد بفعله ان خيرا فخير وان شرا فشر والفضل ان يعفو مثلا عن المسئ وهذا على طريق أهل السنة بخلاف المعتزلة فإنهم يوجبون عقوبة المسئ ويدعون ان ذلك هو العدل ومن ثمة سموا أنفسهم أهل العدل وإلى ما صار اليه أهل السنة يشير قوله تعالى قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ اى لا تمهل الظالم ولا تتجاوز عنه بل عجل عقوبته لكن اللّه تعالى يمهل من يشاء ويتجاوز عمن يشاء ويعطى من يشاء لا يسأل عما يفعل كذا في المقاصد الحسنة للامام السخاوي : وفي المثنوى چونكه بد كردى بترس أيمن مباش * زانكه تخمست وبرو بروياند خداش چند كاهى أو بپوشاند كه تا * آيدت زان بد پشيمان وحيا بارها پوشد پى اظهار فضل * باز كيرد از پى اظهار عدل تا كه اين هر دو صفت ظاهر شود * آن مبشر كردد اين منذر شود